ابن الجوزي
207
صيد الخاطر
الأشياء لا بد منها ، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب ، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي . نسأل اللّه عز وجل أن يعرفنا شرف أوقات العمر ، وأن يوفقنا لاغتنامه . ولقد شاهدت خلقا كثيرا لا يعرفون معنى الحياة . فمنهم من أغناه اللّه عن التكسب بكثرة ماله ، فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس ، وكم تمر به من آفة ومنكر . ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج ومنهم من يقطع الزمان بكثرة الحوادث « 1 » من السلاطين والغلاء والرخص إلى غير ذلك . فعلمت أن اللّه تعالى لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك « وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ » . 164 - التصنيف أنفع من التدريس رأيت من الرأي القويم ان نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة ، لأني أشافه في عمري عددا من المتعلمين وأشافه بتصنيفي خلقا لا يحصون ما خلقوا بعد « 2 » ، ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدونه من مشايخهم . فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف ان وفق للتصنيف المفيد ، فإنه ليس كل من صنّف صنّف ، وليس المقصود جمع شيء كيف كان ، وإنما هي أسرار يطلع اللّه عز وجل عليها من شاء من عباده « 3 » ويوفقه لكشفها ، فيجمع ما فرق أو يرتب ما شتت ، أو يشرح ما أهمل ، هذا هو التصنيف المفيد . وينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر ، لأن أوائل العمر زمن الطلب ، وآخره كلال الحواس . وربما خان الفهم والعقل من قدر عمره ، وإنما يكون التقدير على العادات الغالبة ، لا أنه يعلم الغيب فيكون زمان الطلب والحفظ والتشاغل إلى الأربعين ، ثم يبتدئ بعد الأربعين بالتصانيف والتعليم . هذا إذا كان قد بلغ ما يريد من الجمع والحفظ ، وأعين على تحصيل المطالب .
--> ( 1 ) أي رواية الحوادث واستقصاء الاخبار ، ويجمع ذلك كله قراءة الجرائد واستماع الإذاعات . ( 2 ) صحيح واللّه ، رحمه اللّه ، وأجزل ثوابه . ( 3 ) جعلنا اللّه منهم .